ابن عبد البر

57

الدرر في اختصار المغازي والسير

أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من كان بمكة من المؤمنين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة ، وكان متجرا لقريش . وكان يثنى على النجاشي بأنه لا يظلم عنده أحد . فانطلق المسلمون إلى بلده . وانطلق إليها عامّة من آمن باللّه ورسوله . ودخل بنو هاشم وبنو المطلب شعبهم : مؤمنهم وكافرهم ، فالمؤمن دينا ، والكافر حميّة ( * ) . فلما عرفت قريش أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد منعه قومه أجمعوا على أن لا يبايعوهم ولا يدخلوا إليهم شيئا من الرّفق ( 1 ) - وقطعوا عنهم الأسواق ولم يتركوا طعاما ولا إداما ولا بيعا إلا بادروا إليه واشتروه دونهم ( 2 ) - ولا يناكحوهم ، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا ، ولا تأخذهم بهم رأفة ، حتى يسلموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للقتل . وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة ، وتمادوا على العمل بما فيها من ذلك ثلاث سنين . فاشتد البلاء على بني هاشم في شعبهم وعلى كل من معهم ( * ) . فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم قوم من بنى قصىّ ، ممن ولدتهم بنو هاشم وممن سواهم ، فأجمعوا أمرهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة ، وبعث اللّه على صحيفتهم الأرضة ، فأكلت ولحست ما في الصحيفة من ميثاق وعهد . وكان أبو طالب في طول مدتهم في الشّعب يأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة . فإذا نام الناس أمر أحد / بنيه أو إخوته أو بنى عمه ، فاضطجع على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمر رسول اللّه أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها . فلم يزالوا في الشعب على ذلك إلى تمام ثلاث سنين . فلما أكملوها تلاوم رجال من قريش وحلفائهم وأجمعوا أمرهم على نقض ما كانوا تظاهروا عليه من القطيعة والبراءة . وبعث اللّه على صحيفتهم

--> * قلت : هذه حجه الشافعي في الحاق بني المطلب ببنى هاشم دون بنى عبد شمس وغيرهم . وجاء في حديث : ان بني هاشم وبني المطلب لم يفترقوا في جاهلية ولا اسلام . ومذهب مالك أن بني المطلب كغيرهم ، وان الخصوصية في تحريم الصدقات ونحو ذلك لبنى هاشم خاصة . واللّه أعلم . ( 1 ) الرفق : ما استعين به . ( 2 ) أرادوا بذلك قطع الميرة عنهم ، ويقال إنهم كانوا لا يخرجون من شعبهم الا من موسم إلى موسم . * قلت : حتى قال أحدهم ، وطئت ذات ليلة على شيء رطب ، فرفعته إلى في ، فابتلعته ، فما ادرى ما هو إلى الآن . وقال آخر : قعدت للبول ليلة ، فسمعت تحتى قعقعة فالتمست ، فإذا هي جلدة يابسه ، فأخذتها ، فغسلتها ، واشتويتها ، فرضضتها ( دققتها ) ، ولقد أمسكت رمقى بها [ انظر في هذين الخبرين السهيلي 1 / 232 ] .